سأكتفي بهذه الحلقة وأعتبرها الأخيرة لكم وسأكمل البقية للنخبة الصغيرة حواليّ
وأعني بهم أفراد عائلتي لما لها من خصوصية وخلفيات معروفة لنا ويصعب شرحها لكم !
الموضوع حقا شيق بالنسبة لي وأتمنى أن لا أتوقف عن الحديث عنه :)
وخاصة وأنه المرة الأولى التي أتحدث بها عن الرحلة لكم وللمقربين مني
بهذه الرحلة بالذات عشت تجربة فريدة بالقرب من أمي وأبي
رأيتهم عن قرب وهم
يتشاجرون و( يتعايون ) على أتفه الأسباب ويتراضون بسرعة البرق !
مواقف أكسبتي مرونة في التعامل مع بعلنا العزيز لاحقا :)
ولكن الفرق أن بعلنا أكثر حساسية بكثير من والدي وأقل حنكة برد الصاع صاعين للنساء وبدون إيذاء !
ربما يحتاج للمزيد من التدريب ويصبح بلياقة والدي العزيز ... وإن أراد ذلك عليه يتعلم من والدي ما يشاء من فنون المشاجرات الخفيفة الظل :)
ذكر لي والدي مرارا بأنه سيريني منظرا لن أنساه طوال حياتي أو مثلما يقول لي :
إن جاني أنا وياج من الحيين لا أراويج شيَ ما شفتيه بحياتج !
صحاني والدي باكرا من النوم
خرجنا من الفندق وكانت الساعة قبل السادسة صباحا بقليل
أخذني عبر ممرات يعرفها جيدا لمحطة القطار الواقعة خلف الفندق تقريبا
قطارات قديمة تصل وتنزل منها أفواج من البشر السمر القصار والدقيقي القامة
الألوان القاتمة غالبا للرجال وألوان الفرح الزاهية للنساء
يسيرون ( بلا مبالغة ) مثل النمل والكل يجرى للحاق بعمله
مرتبين بطوابير متراصة وبكثافة عالية
وقع أقدامهم من كثرتهم لها دبيب
بعيدا عنهم بقليل يقف شرطي بجانب إشارة مرورية
بفمه صفارة وبيده حبل مرخي لونه ( وسخ ) وبالي ( لو يعظه الكلب لإستلغث ) !!!
والطرف الآخر من الحبل مربوط بعمود الإشارة في الجهة المقابلة
فوج البشر قادم بسرعة وبأعداد كبيرة نحو الشرطي
يتغير لون الإشارة المرورية للأحمر ... الطريق ليس مسموحا لعبور المشاه
يطلق الشرطي صفارته محذرا وحاثا الفوج المتدفق للتوقف
طبعا من يسمعه من أصوات الحركة الحثيثة ؟
يشد الحبل الذي بيده .... فيرتفع الحبل لإرتفاع وسط الإنسان العادي
حركة كفيلة لإرغام الجميع على التوقف حفاظا على سلامتهم فيتساقط من في المقدمة على الأرض ... ويتوقف من خلفهم إجباريا !
بعض العاملين يخرجون من بيوتهم في الرابعة فجرا يستقلون القطارات لمدة ثلاث ساعات في الذهاب والعودة ليصلوا إلى أعمالهم وبيوتهم في الموعد المحدد !
مشقة وعناء المواصلات لبعض الشعوب مثل الهنود الذين رأيتهم للوصول لمقار أعمالهم جعلتني أحرص عندما عملت بالإلتزام والتواجد بمكان عملي بالوقت المحدد
إذ لا عذر لدي للتأخر عن الجامعة ومن ثم العمل وأقصى ما أحتاجه من وقت هو نص ساعة وقت الإزدحام الشديد !
وأعتقد هذا ما أراد أبي إيصاله لي !!!
أن أرى مشقة غيرنا اليومية للوصول لأعمالهم وهم ينتقلون من وسيلة نقل لأخرى لكسب قوت يومهم !
والحمدالله على نعمه التي أنعمها علينا في بلدنا الميسر
في بومباي تفاجأت بغنى البعض الفاحش وفقر البعض الأخر المدقع !
على شارع الكورنيش تمر أمامي أنواع سيارات لم أر مثلها مثيلا بالكويت
وزاد توافد السيارات الفخمة عندما تصادف وقت تواجدنا بالفندق حفل لعرس هندي فخم
جلست باللوبي لأتفرج على عرض الأزياء الحيّ للرجال والنساء
أناقة المدعويين والمدعوات ومجوهراتهم وجمالهم ... شيء لا يصدق !
تمنيت أن أرى من بين المدعوين أبطال أو بطلات الأفلام ... لأقفز بوجههم وأطلب صورة معهم وهم بقمة أناقتهم ... لكن ما حصل لي ... للأسف !
في الهند كل ما يمشي على أرجل أو له عجلات يصلح كوسيلة نقل !
حيوانات ... بشر ... عجلات ... لا فرق ... المهم وسيلة تؤدي الغرض وبنجاح
والهندي دائما لا يعدم من وسيلة إن إحتاج
أطرف وسائل النقل هي رجل يحمل رجلا آخر ( لا يقوى على السير ) على ظهره ( يعكه ) ويصعد به سلالم العمارات الفخمة والقديمة والتي تكون عادة خالية من المصاعد الكهربائية !
أو رجل (مشلول ) يجلس على كرسي ويتعاون إثنان من الهنود على حمله وتسلق سلم العمارة حيث مكتبه أو سكنه !!!
ووسيلة أخرى كانت حدها ( تشوق ) بالنسبة لي ومسلية بنفس الوقت
هي السيكل العائلي
سيكل عادي الزوجة ( مردوفة ) بالخلف ممسكة بظهر زوجها وطرف الساري طاير بالهوا وراها
والعيال الصغار يجلسون على يمين ويسار السيكل بمقاعد خاصة تشبه الحفرة مثبته على جوانب السيكل !
شوقوني عيال الهنود ... الأولاد شعرهم مدهون ومفروق بفرق جانبي بخط مستقيم تماما وكل شعره بمكانها لا يهزها لا هوا ولا غيره !
والبنات ضفائر مزينة بشرائط شعر ملونة متناسقة مع ألوان ملابسهم ( والدهن بالشعر طبعا لابد منه )
أما الصغار كلش فيا زينهم زيناه سيقانهم وأذرعهم الصغيرة سوده وشعرهم أسود وعيونهم مكحلة بكحل بودرة أسود !
رأت والدتي أن فرحتي بأطفال الهنود فرصة لا تعوض لتتحرش بوالدي
سفرتنا قربت على الإنتهاء ولم تر ما كانت تبحث عنه وماخذتني معها بسببه ؟
قالت وهي تحثني لإستكمال مشينا دون أن تنظر ناحية والدي :
بسج .. قاعدة وتصورين بعيال الهنود ؟ ( وقتها لم يكن الديجيتال منتشرا كما الآن )
خلي الفيلم لين نشوف إخوانج الهنود ونصورهم ونراويهم إخوانج وخواتج بالكويت ؟
جود الله يهدي أبوج ويودينا لهم ؟
ينظر لها أبي مطولا دون تعليق
سكوت من الطرفين ... وأخيرا حصلت المجابهة ... وأين ؟
في الشارع ونحن نمشي !
أعترف أنني جبانة في مثل تلك الظروف .... تسارعت دقات قلبي ... ساعة الصفر والإعتراف دنت
يسألني أبي بهدوء : ها إشقلتي ؟ تبين تشوفينهم ؟
يقصد إخواني الهنود ؟
أهز رأسي بالإيجاب وكل ما فيني يرجف ( ما أدري ليش ) .... والدموع تتجمع بعيوني
أتساءل بيني وبين نفسي
صج عندي إخوان وخوات هنود ؟
إشلون بتفاهم معاهم وإشلون بأعرّف صديقاتي وأهلي عليهم ؟ ( هذا اللي أحاتيه بصراحة أكثر شي )
تشجعه أمي للإعتراف وتقول :ميخالف بو ( فلان ) لعيونك مستعدة أربيهم وأدير بالي عليهم !
أبي بتحدي : إي عندي مرة هندية طويلة وسمرا يعني عكسج ... إشبتسوين ؟
لطالما كان قصر قامة أمي يمثل عقدة لها ... وها هو والدي يرد على تحرش أمي به بطريقته
أتوتر أكثر من جو المواجهة بينهما
ترد أمي بفخر وبسرعة : ما ضرني القصر هاذا إنت أخذتني ؟ وتخانقوا الرياييل عليّ عند أبوي كل واحد يبي يخطبني قبلك !
أتدخل وأرد بصوت يرجف :
يوبا ما له داعي تتخانق مع أمي ... إذا عندك عيال خلنا نشوفهم ونشوف أمهم ... لا تخلينا آخر من يعلم ... يوبا ولي يسلمك ( برجاء ودموعي تصبصب )
يضرب أبي كفا بكف ويطلق زفيرا طويلا ويقول : صج جنيتي إنتي وأمج ؟
يكلمني : يا يوبا لا تصدقين خرابيط أمج ... من طبينا الهند وهي تبحلق عيونها على كل هندية تسلم عليّ .... لو عندي مره وعيال ترى ماني خايف منكم أطلعها جدامكم وأشوف ذيك الساع من بيعترض ؟... إنتو وعساني أوفي إلتزاماتكم هالنوب أحط على راسي بلوة ثانية ؟!
أمي بدهشة : أنا بلوة يا بو ( فلانوه ) ... ثم تهدي قليلا وتكمل تساحله بعد أن تأكدت من نبرة كلامه أنه صادق : أفا عليك ... ما هقيتها منك يا بوعيالي
تنعته ببوفلان لما تكون راضية وبوفلانوه لما تكون معصبة
أبي بغضب : أوووووووووهووووووووووو .... إبتلشنا بالصمخان ... قلت حلوة ما قلت بلوة
سمعي عدل وبعدين ناجري ؟
أمي تبتسم بكل رضى ( وكيف لا ترضى بعد أن تأكدت أن لا شريكة معها بزوجها ) :
على بالي بعد ؟
لوالدي كلمات يتلاعب بها فتارة يمدح بها أمي وتارة أخرى يغيظها
يطلق عليها تحببا لقب بريمة ( نسبة للتمر البريمي ) وأحيانا أخرى ( لزوم المشاكسات ) يعني بها تصغيرا للبرمة وهي الجرة الصغيرة !!!
في مومبي كم يطلق عليها الآن الكل يمشي في الشارع .. الجواميس تجر العربات ... السيارت المتهالكة ... سيارات فارهة
أحيانا طرار يزحف بين السيارات !
والدي يقول من لديه رخصة قيادة هندية تكون لديه المهارة الكافية لقيادة السيارت بأي مكان في العالم !
من الطرائف أيضا أن سائقنا الهندي والذي أرسله والدي قبلنا للهند ليساعدنا يخشى قيادة السيارة في بومبي حيث يسكن !
على فكرة أي هندي يسكن مدينة كبيرة مثل بومبي لا يقبل العمل بالمهن التي يعتبرها لا تليق على إبن مدينة كبيرة مثل مهنة صبي في المنزل أو حارس !
كنا نتذمر عند والدي إن سائقنا يرفض كنس الحوش ... بحجة أنه سايق وليس عامل !
وكان والدي يضحك ويقول طبعا هذا ولد بومبي ... وإستوعبت ذلك عندما ذهبت للهند
كنت أعتقد أن العامل يعمل كل شي ... ولكن الصحيح هو التخصص في العمل عند الهنود
فالسائق يعني سائقا فقط ... يعتني بالسيارة ونظافتها وميكانيكتها ( إن صح التعبير ) فقط
والطباخ يطبخ ويدير المطبخ وأحيانا يطلب من يساعده لغسل الأواني وتحضير الخضار وقص البصل !!!
أكثر ما إستمتعت به بالهند هم أنني أشترى ما أريد إذا كان المكان قريبا ويتولى البائع توصيل المشتريات لغرفتنا بالفندق وهذه خدمة متاحة للكل وبالمجان
كنت أشتري كتب الطبخ والديكور والمنازل الهندية وأدفع الثمن وأخرج خفيفة ... وأحيانا أرى المراسل يمر أمامنا بالدراجة وخلفة كتبي ملفوفة بورق ومربوطه بحبل !
في التربط والتلفلف والتجيس وتسفط الهدوم وضراب الأوتي ... ما على الهنود :))
على طارى الأوتي من كثر الفقر محل الأوتي له سعران سعر حق أوتي من الأمام فقط أي مقدمة القميص وسعر مضاعف إن أردنا الأوتي من الأمام والخلف !!!
خدمة أخرى لم أر مثلها إلا بالهند وتمنح للزبائن الدائمين
حيث يقوم الفندق بحفظ ممتلكات الزبائن الدائمين لحين الزيارة القادمة
وبشوية روبيات يقوم الفندق بحجز نفس الغرفة في كل زيارة وترتيبها وصف الأغراض عليها حسب رغبة صاحبها !
طرائف وغرائب الهند لا تنتهي
في أول يوم وصول لي للهند .. إستغربت من رائحتها وإستنكرتها ... رائحة مميزة لا أشمها إلا بالهند وبين ثنايا الملابس الهندية المستوردة من الهند !
وعندما عدت للكويت وفتحت حقيبتي إنتشرت رائحة الهند منها فجلست أستنشق رائحتها بكل حب
من الهند لم تتح لي زيارة غير مدينة بومبي حيث تربطنا بها صلة قديمة جدا
لكن ما رأيته وعشته كان كفيلا بملأ قلبي بمحبة الهند والهنود
الهند بلد الأساطير
بلد التناقضات الصارخة
بلد الحب والرقص وألوان الفرح الصاخبة
بلد الزينة ... لم أرى بأي بلد إكسسوارات زينة نسائية ورجالية كتلك التي عند الهنود
بإختصار أحب الهند والهنود :)
- إنتهى -