حدثتني قائلة :
أقسى يوم يمر علي هو عيد الأم
فلا أكاد أصل لعملي إلا وعيوني متورمة من كثرة البكاء
أغاني وأغاني وأغاني كثيرة عن الأم كلها تثير مشاعري
وتجعل دموعي تنزل عصبا عني
نظرت إليّ بعيون حمراء وأمسكت يدها براحة يديّ
وتركت محدثتي تنظر للبعيد ... تفضفض عن مشاعرها
آآآآآآآه يا أمي
أيامي معك كلها كانت أعيادا يا أمي إنتهت بوفاتك
خمس عشرة سنة مرت على فقدانك
حصل لنا الكثير فيها
فأخي الغائب رجع وصار موظفا ... وأختي الصغيرة صارت أما لطفلين جميلين ولا زالت صغيرة بأعيننا كما عهدك بها يا أمي .... أمام كل مشكلة وموقف تسارع بطلب المساعدة منا جميعا
أبي يوصي زوجها عليها ويقول ( تراها طفلة ... إعتبر نفسك عنك ثلاث أطفال )
الحفيدة التي أطلقتي عليها إسم خالة أبيك صارت صبية ( أم لسان ... محد يغلبها ! )
أمي
ليتك موجودة لتري مقدار معزتك عند والدنا ؟
لم نشعر أنه يعزك بهذا القدر إلا عندما فقدك !
ولا أنت يا أمي سوف تصدقي أنه كان يعزك لهذه الدرجة
صار يردد بحب وأسى ( راحت اللي تعرفلي ) عندما لا نلبي طلبه كما يريد
أتذكرين كيف كان يستحي أن يناديك بإسمك أمامنا ويناديك بأمهم ؟
صار بعد وفاتك يريد أن يطلق إسمك على كل مولوده !
أتصدقي أنه لا زال يطبق علينا نفس قوانينك !
عندما جاء من يخطب أختي الصغيرة .... قال لو كانت أمكم موجودة لما رضت به
لا لسبب في أخلاقه أو عائلته .... وإنما كنت تحرصين على أم الزوج كثيرا وعلى رعايتها لأسرتها
كنت تبحثين عن الأم التي ( تضف عيالها وترعاهم بعيونها وتخاف الله بكناينها ) على حد وصفك
لأنك كما كنت ترددين دائما أريد أما أخرى لأبنتي عندما ياخذ الله أمانتي
كأنك تعلمين يا أمي أنك سترحلين باكرا وتتركين بناتك من غير أم !
أبي رفض الزواج بعدك .... أتصدقين أنه بغيابك كأنه شاخ مبكرا
ترك صبغ شواربه وبان الشيب الذي يخفيه عنك حتى لا تعايرينه بفرق السن الكبير بينك وبينه !
أحيانا أسأل والدي إن كنت تريد الزواج بأخرى فهذا حقك ولن نمانعك ؟
لكنه يرفض قائلا : ما بعد أمكم مره !
ليتك عايشه لتسمعي هذا الإطراء
لا أعلم لماذ شعرت بالفخر بك وبالفرح لأن لا يوجد من تملأ مكانك بقلب والدي
بالأمس يا أمي كنا جميعا أنا وأخوتي نتجاذب أطراف الحديث
وكالعادة لا يخلو أي تجمع لنا عن جر الذكريات الطريفة التي حدثت معنا بحياتك
وكيفية إدارتك للمشاكل وحلها بأسلوب جميل لم تتقنه إلى الآن أية واحده منا
لا زلت أحتفظ بحقيبة يدك وبداخلها نظارة القراءة ودفتر التليفونات بخط يدك
أفتحه بين الحين والآخر لأشاهد خط يدك وأقرأ أسماء أهلك وصديقاتك
كثيرات منهمن تعاطفن معنا برحيلك وأبدين إستعدادهن ليكن أمهات لنا
البداية كانت طيبة معهن جميعا ومع الأيام مات من مات وإنشغل من إنشغل وإبتعد من إبتعد
ما عدا واحده يا أمي لازلت أدعو لها بالخير في كل صلاة
لم نعرف ماذا نفعل عندما ولدت أختي
إتصلت تطمنني وفعلت معنا ما لم يفعله أحد
كانت يوميا ترسل الوجبات الثلاث ومستلزمات النفاس
بغيابك يا أمي إفتقدنا من نأمنها على أسرارنا وهمومنا ومتاعبنا ومشاكلنا
أسرارنا صارت مشاعا للجميع وهمومنا ومتاعبنا صارت أحاديث يتسلى بها البعض ومشاكلنا صارت تتناقل بالسر والعلن يسبقها عبارة ( ما دريتوا ؟ )
كنت القلب الذي ندفن به ما نريد مهما بلغت سخافته أو عظمه
ما أعظمك من أم يا أمي
منذ أيام قليلة والدعايات والإعلانات في كل مكان
الكل يتسابق ويتفنن في هدايا الأم
أشعر بالغصة لأني أفتقدك وأفتقد الحيرة السنوية التي كانت تلازمنا نحن أبنائك في حياتك ... ماذا نفقدم لك ؟
تذكرت موقفا حصل معي منذ سنوات عندما كنا نحتفل بعيد الأم بالمدرسة
وشعرت بحرقة قلب الطالبة التي كانت معنا بالمدرسة
بكت بكاءا حارا في الطابور الصباحي
كنا جميعا سعداء نقدم الورود للناظرة كأم لنا بالمدرسة
ما عداها لم تشعر بفرحنا وإنما تذكرت ألمها وألم فقدانها لأمها
كسرت خاطري وقتها لكني لم أستوعب معاناتها جيدا
حكيت لك ما حدث لنا بالمدرسة وإمتلأت عينيك بالدموع وقلت الله لا يوريكم هاليوم
وتعنين به يوم فقدان الأم
شفناه هذا اليوم يا أمي ولا زلنا نعيشه
مرت علينا السنوات يا أمي بدونك وأمام كل هزة تمر بنا كعائلة أقول :
صدقت يا أمي عندما كنت تزعلين منا وتنهرينا إذا تخاصمنا نحن الأخوات والإخوان وتمادينا بالخصام
وتقولين : ( هذا على حياتي وجدام عيوني تسوون جذيه .... عيل إشبتسون بعد عيني ؟؟؟ )
لا زلنا حافظين لوصاياك العديدة لنا
ديروا بالكم على أبوكم ... لا تغفلون عن إخوانكم
لا ( تدقرون ) أخوكم الصغير
أه يا أمي على أخوانا الصغير
كم هو سخي وخدوم للجميع ولا زال يشعر أنه البطل كم كنت تصفينه
سنوات مرت على رحيلك فقدنا توازننا في أول السنوات
والآن رغم تآلفنا مع وضعنا لكننا لا نزال نحس بمرارة الفراق
عزائنا لأنفسنا أنك بدار أفضل من دارنا
رحمك الله يا أمي
أعاننا الله على فقدانك
وأعان كل إنسان بلام أم
سكتت محدثتي
ومسحت دموعا حارة تسقط من عيناي
